Friday, 25 July 2025

الموقف

الجو حار جدًا لانتظار الترام على المحطة.. إنه يوليو وإنها الإسكندرية .. إن لم تشويك الحرارة ستخنقك الرطوبة.. أقف على الرصيف المقابل للمحطة في دخلة عمارة رخامية.. إن ما يفعله الرخام بالحرارة سحر.. ستكون ارض الجنة رخامية بالتأكيد..
إنها ساعة ما قبل صلاة الجمعة.. يستعد الناس للصلاة.. إما بالذهاب إلى المسجد أو بالتبضع قبل أن يذر البائعون البيع.. تتوقف السيارات عند فرن للمخبوزات.. يريدون التزود بالفطار قبل أن يمسكوا طريق الساحل.. أرى بعض العوامات تأخذ حيزًا كبيرًا من السيارة..
يمر من أمامي رجل.. أربعيني ؟ لا إنه بالتأكيد خمسيني الآن.. فقد كان مُدرسي في يوم من الأيام.. أشيب أصلع مع كرش صغير.. لم اعره اه تمامًا ولكن شيء في عقلي نبهني أنه شخص اعرفه. . بعد أن مر ولم أعد أرى منه سوى ظهره ومشيته.. نفس المشية غير المكترثة التي تشبه العرج ولكنه ليس بأعرج.. أتذكر حينما عُيِّن في مدرستنا الإعدادي المشتركة وهو في ريعان شبابه.. كان حديث كل المراهقين والمراهقات.. كان أشقر ذو عيون ملونة وكان روش بلغة هذا الوقت.. البنات تتحاكى عن وسامته والشباب يتحاكى بألعوبيته.. ماذا عسى بعض المراهقين أن يفعلوا في المدرسة ؟
يدرسوا ؟
بالطبع لا.. لقد ذهبوا من أجل قليل من التسلية والكثير من النميمة.. 
أما هو ؟هو في الحقيقة شاب في الثانية والعشرون رماه حظه العثر في مستنقع هرمونات المراهقة مما حاوطه بالكثير من الاشاعات وكأنه دخان بلا نار فحينما رأيته الآن فهو رجل خمسيني غارق في العادية.. يقول الأولون إن ذبل الورد ريحته فيه ولكن لا فيه ورد ولا له ريحة ولكن لعنة الله على براعم الاستروحين والتيستوستيرون وعلى الفراغ المميت..
أتذكر بعدها مُدرِّسة أخرى كانت أيضا حديث المراهقين في فترة من الفترات.. كانت ترتدي ملابس في غاية الضيق والصف والشف.. كان شعرها أحمر في ذروة مجد عمرو خالد واتجاه الفتيات للحجاب.. كانت تغطس عكس التيار.. كما إنها كانت تتصف بالكثير من الجرأة والغرائبية.. لا أتذكر جيدا ولكن هذا ما أستطيع سرده الآن.. في يوم من الأيام كنا في الصف الثالث الإعدادي.. وكما هو معروف في منهج العلوم.. إنه وقت دراسة الأجهزة التناسلية للإنسان.. شرح مثل هذه الدروس في هذه السن في صفوف مشتركة كان يغرق الجميع في خرس تام.. كانت أكثر الحصص سكونًا وهدوئا.. يمكنك حرفيًا سماع صوت الصمت.. أتذكر في يوم من الأيام كانت مدرسة العلوم تشرح الجهاز التناسلي الذكري وكانت قد رسمت نموذجه على السبورة.. لم يجروء أحد على مسح السبورة.. لا أحد يستطيع أن يمسها.. كانت السبورة مثل الحرم لا يمكن المساس بها.. وللحظ يومها كان مدرس الحصة التالية غائبا وللحظ أيضًا كانت المدرسة التي اتسمت بالاختلاف هي من سيتابعنا في هذه الحصة.. دخلت الفصل.. صوتها عالي كثيرة الضحك والهزار في كل شيء وأي شيء كل مع تفعله غير ملائم تماما لهذا السن ولكن حصة وتعدي.. وفجأة وقفت أمام السبورة ورأت الرسمة وقالت بصوت عالي جدا: " إيه دا ؟!!!!" 
ورغم أننا قد خرجنا عن صمتنا الذي غرقنا فيه في حصة العلوم ودخلنا في الصخب والجلبة التي احدثتها هي في الحصة الاحتياطي التي كانت تشرف فيها علينا إلا أن سؤالها قد أعادنا لهذا الصمت.. 
تعاود السؤال مرة أخرى.. إيه داااا ؟!!! 
لازلت أتذكر هذا المشهد كأنه الآن.. يرد أحد الزملاء وهو يبتلع ريقه بصوت خفيض " دا ساينس حضرتك" 
تعلّق بضحكة عالية مجلجلة " انتوا بتاخدوا حاجات غريبة اوي، ايه يعني دا ؟! " 
يتحلّى بشجاعة أكثر من المرة الأولى بكثير ليرد " حاجات في جسم الإنسان"  
حينها تشيح نظرها عن السبورة وتكمل العبثية التي أدارت بها الحصة.. ونتنفس جميعنا الصعداء.. 
رغم مرور أكثر من عشرين عاما على تلك المواقف.. إلا إنها لم تفشل تماما إن تجعلني ابتسم ابتسامة واسعة لذكرها.. 
تمر  بعدها من أمامي سيدة وابنتها تنهي حديثها قائلة لها " مش عارفة ايه القرف دا"..
أأمن على كلامها قائلة.. عندك حق والله ايه القرف دا.. ألا لعنة الله على المراهقة.. ألا لعنة الله على الهرمونات.. 

Sunday, 6 October 2024

عام الحزن

السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ ..
لا أتذكر ما اسم اليوم، كنت في إجازة مرضية أقضيها عند أمي وفي أجازة عن العمل حتى أضع حملي.. 
استيقظت لافتح جوالي.. لم أصدق ما رأيت وما قرأت.. لم أستطع التوقف عن التهام الأخبار والنكات والتهنئات.. كان يومًا سعيدًا بحق.. رؤيتهم وهم يساقوا كالنعاج كانت تشفي القلب وتسره.. لم أتوقف عن مشاهدة فيديو طوفان الأقصى الذي يصوّر الابطال وهم يطيرون ليحطوا على أراضيهم المسلوبة في غلاف غزة.. لم يكن في الوجود ما هو أجمل من هذا المنظر.. الأسرى وهم مكبلون ومساقون إلى أماكنهم.. فيديو السيارة الإسرائيلية التي اخذها  الأبطال وعاد ليرقص بها في الشارع.. فكرة أن تأتي وليدتي في عالم لا يعرف الأوغاد كانت فكرة آسرة.. كنت أعلم أن الرد سيكون قاس جدا.. لا يهم.. انه وقت الاحتفال.. يبدوا أننا أيضا قد استعدينا لكل شيء.. 
ذهبت يومها لجدتي ذات الخمسة وثمانون عامًا.. كنا في مرحلة تشخيصها بالسرطان من الدرجة الرابعة.. رويت لها ما حدث.. كانت مبتهجة وفرحة ودعت من قلبها بالنصر.. تلك المرة كانت من أواخر المرات التي أحدثها فيها وهي في تمام وعيها.. لم تسألني أبدا عن وليدتي، منذ أن علمت بحملي وهي تدعو لي بتمام الحمل وكامل الصحة ولكنها أبدا لم تسأل عن نوع الجنين، اسمه، مشترواته وهي التي عنت دومًا بالتفاصيل.. كانت هذه الفكرة بالذات ترعبني.. لماذا لم تسألني يومًا عن جنيني؟
هل سترحل قبل أن تراه؟
هل تعلم ذلك ولذلك لا تبالي؟
يومها قررت أن أقحمها في التفاصيل.. 
أريدك أن تختاري معي الاسم، هذا أم ذاك؟
اختارت الاسم الأكثر دلالًا وأنوثة.. فهي مولعة بالدلال والأنوثة.. 
كنت يومها سعيدة جدا.. كان يومٌ طفوليًا بجدارة.. 
* قد مسنا الحلم مرة * أروى صالح
* سوف تلهو بنا الحياة *جورج  جرداج
أظنها الليلة التي فقد فيها العالم عذريته * بالنسبة إلي *
قد كان العالم أبدًا عاهرًا ولما لا.. 
فلا يذكر القرآن أبدا أكثر الناس إلا وهو يصفهم ب لا يؤمنون، لا يعقلون، لا يعلمون، للحق كارهون..
ولكني كنت حمقى طفلة بضفائر وردية تظن أن الخير ينتصر.. 
 القنابل تدك قلبي وتفتفته.. الفسفور يحرق جلدي ويصهره.. كلمات الثكلى تتردد في عقلي بلا توقف.. صور الشهداء انطبعت في جدران نفسي الى الأبد..
اتذكر الآن الوقت الذي قضيناه نشجب وندين ونسب ونلعن ونراقب المشاهدات ونعدّل اللوغاريتمات ونجمع التبرعات ونشارك الفيديوهات ونهدد بالمقاطعات.. 
والمعبر..

المعبــــر..

والمــــعــــــبــــــر ..

 وبفففففففففففففففففففففففففففففففففففف
بصقة على كل ما فعلناه وعلى غباؤنا وآمالنا الوهمية..

في السابع من نوفمبر 
لا أتذكر ما اسم اليوم، فكنت قد رجعت إلى بيتي لأن أمي منشغلة جدا بجدتي التي تقضي أيامها الأخيرة في العناية المركزة.. ولازلت في اجازة عن العمل لأني على وشك أن أضع حملي..
استيقظت على مكالمة من ابنة خالتي..
 هل تصفحت جوالك؟
لا!!!
الحمد لله، أردت أن أخبرك بنفسي.. استرد الله أمانته!

كان وقع الخبر غريبًا جدًا، كنا على معرفة تامة بالأمر، وقد رتبنا كل شيء بالفعل ولكن.. ستظل دائما وأبدًا.. مصيبة.. إنا لله وإنا إليه راجعون 
توفت جدتي.. 
كنت أتمنى لو استطيع أن أضع طفلتي في حجرها لتباركها وتفرح بها.. كانت تدعو بهذا الأمر لسنوات.. ولكن منذ أوشك الحلم أن يصبح حقيقة كانت على يقين بأنها لن تدركه.. 
بعدها بتسع أيام فقط جاء موعدي المنتظر.. الحضور في المشفى كان منقطع النظير، الكل جاء لمؤاساة أمي في ذلك الوقت العصيب.. وكيف لا.. من العسير على الإنسان جدا أن يفقد أعز إنسان ويُبشَّر بعزيز آخر في مدة هكذا قصيرة.. كانت عملية بسترة باحتراف.. 
رُزقت بوردتي الوردية .. اسميناها لي لي.. الوردة النقية الطاهرة ذات الرائحة الجميلة.. أحب الورود.. وأحب الروائح الجميلة.. وأحبها هي.. أكثر من كل الأشياء.. 
حبي لها ضاعف من ألمي على كل طفل رأيته يذبح ويحرق وتقطع رأسه بدم بارد من عدو سافل.. 
أصبحت تفاصيل أكثر تقتلني.. حفاض ذلك الطفل المصاب ممتلئ على آخره، لابد أن جلده ملتهب أيضا ويجب أن يبدل حفاضه.. 
هذا الطفل صغير جدا على أن يكون ذو أربع أشهر، لا تأكل أمه بالقدر الكافي ولا تستطيع أن تشبعه في المجاعة في شمال غزة.. كيف سيكون لبنها وهي مكلومة، حزينة، مصابة ونازحة! 
رأيت أطفال رضع ترضع في شق تمرة حتى تستطيع أن تتغذى.. قرأت عن رجل دفع في قطعة لحم صغيرة جدا ١٢٠ شيكل حتى تستطيع أن تتغذى زوجته بعد أن وضعت حملها ورزقه اللي طفله الأول.. 
خمسون ألف امرأة مثلي تماما يضعون حملهم في إبادة جماعية ومجاعة وانقطاع تام للماء.. لا اكل، لا دفء لا نظافة ولا أمان.. أتنفس وأنا أشعر بعدم الاستحقاق، فغيري تتنفس هواء مليء بالفسفور.. 
أتذكر أول كعكة أصنعها في ذلك الوقت، لم استطع أن المس الدقيق فصورة الشهداء الذين استشهدوا في سبيل كيس من الطحين تلاحقني حتى الحين.. 
تلك الأم تحكي عن عدد الحقن التي احتاجتها كل يوم حتى تستطيع أن تبقي طفلها حيًا في رحمها بعدما حاولت الإنجاب لسنوات وسنوات.. بنك أطفال الانابيب الذي تم قصفه وحرم عائلات كثيرة من حلمها بامتداد نسلها..
أللابادة الجماعية تعريف آخر يا سادة؟ 
الأب المكلوم الذي ذهب لاستخراج شهادات ميلاد أولاده فعاد ليجدهم مقتولين.. فقط لأن زوجته أعلنت ذلك على مواقع التواصل الإجتماعي.. 
أي عدو هذا الذي يقتل غيظا وغلا وحقدا على المقتول!! 
أي حرب تلك!! 
أنت هدف.. 
أنا هدف.. 
كلنا هدف!!! 
لا يمكن أن نعيش في عالم يسكنه معنا أناس يرون أن لا حياة لهم إلا على جثثنا!! 
ثم ندع كل هذا جانبا وننظر حولنا ونرى كل شيء وقد تم تكبيره واضاءته حد الفجاجة.. لا مجال الصوابية السياسية التي صدعنا بها أولاد الغبية من التنويريين.. أي نور ذلك.. أنهم يعلنوها بكل وضوح ويكذبون بكل صراحة.. انها دنيتهم وانه علُّوهم.. 
أنت الضحية وأنت الشر 
حياتك أضرار جانبية لا يمكن تفاديها 
أنت بالأساس حيوان ولا معنى لوجودك 

السادس من أكتوبر ٢٠٢٤
هذا وقد مر عام.. مر على أرواح مائة ألف شهيد ومفقود.. مر على آلاف الأطفال الذين تيتموا وبترت أعضائهم وأصيبوا بعاهة مستديمة.. مر على ركام جميع مدارس وجامعات غزة.. مر على آلاف الأطباء والصحفيين الذين تم استهدافهم فقط لأنهم يقوموا بدورهم.. 
مر علي وقد فقدت القدرة على التنفس بدون الشعور بالك الغصة في حلقي والرعب القائم في قلبي وعقلي.. كل تلك الأفكار التي هدمتها وأعدتها من جديد.. أكثر سوداوية عنصرية وحنق.. أكثر حنقًا وكرهًا للعالم.. أكثر كفرًا بالإنسان كامل الإيمان والتسليم لله.. 
هذا وبعد كل هذا الموت، وكل هذا الدمار وكل هذا الكذب علينا أن نتقبل فكرة اننا نتشارك نفس الهواء.. علينا أنا نحيا ونقاوم.. علينا  الأمور.. أي أمورٍ تلك!! فأنا وصلت لسطري هذا وقد نسيت لماذا قامت الحرب!!! 
ولكن.. قلبي لن ينسى كيف كان عام الحزن.. 

Saturday, 1 July 2023

عُدنا ..

الآن .. وقد أصبح لدي كل الوقت، الذي أملك والذي لا أملك .. الذي أمتلكت والذي لم أتصور في يوم أنّي قد أمتلك ..  أجلس في بيتي .. 
لم أتصوّر في يوم أنّي قد أشعر هذا الشعور.. رغم أني قد أكون قلت في الصباح " عايزة أروّح " .. ولكني في هذه اللحظة في بيتي .. 
نفسي منتظم .. ولا ألهث .. قد يكون لدي الرغبة في أن أجهش بالبكاء .. ولكنّه إجهاش الوصول .. 

لا استطيع وصف سعادتي في إحتضان مدونتي من جديد، بعد عشر سنوات .. لم أنقطع .. ولكنّي لم أكن أشعر أبدًا بالاستقرار الكافي لحمل تلك الراية .. لم يكن لدي النضج الكافي لكل ذلك .. كانت رحلة طويلة .. مضنية .. رحلة البحث عن الذات .. تعبير تقليدي جدًا.. ولكن في هذه اللحظة تحديدًا أشعر أن كُل شيء مررت به .. ورغم مرارته كان مُجديًا .. 

الآن وقد تصالحت مع كل حماقاتي .. كل ذلّاتي .. كل ما كُنتُ عليه .. الآن وقد تعلّمت أن أُفرق بين يدي اليمنى واليُسرى ..أمتن لكُل ما تعلمته في هذه السنون، أمتن لتلك الرحلة التي تعلمت فيها عني أكثر ما تعلّمت .. أجلس الآن في غرفتي على سريري .. استمع لموسيقاي الكلاسيكية .. أشم رائحة الورود المنبعثة من شمعتى .. يأتيني الضوء من مصدر غير مباشر .. مثلما تمنيت ومثلما كنت أفعل دومًا .. 

أشعر أني استطيع أن أتأمّل كل تلك اللحظات التي مرّت دون أن أعيشها حقًا .. أن ألاحق كل تلك الصباحات التي فاتتني .. وأن أتعقب كل أشعة الشمس المستلة من كُل شباك .. لم أكُن أعلم أن على قدماي أن تتألم كُل هذا الألم حتى تَدرُك راحتها .. أُريد أن أُربت على تلك الساق الصغير الوهنة التي تحملت كُل ذلك الركد .. أُريد لهذا القلب أن يمتلئ بكل الهواء .. هو يستحق ذلك .. أريد أن أُسقط عن عقلي حساب الدقائق والساعات .. أُريد أن أُمضيها فيما أُريده حقًا .. لم أعُد أريد أن أنام يا إليزابيث .. أُريد أن أصحى .. 

Friday, 28 April 2023

قمر وكوكب

يتقاسم الناس بين الشعور بالاستحقاق والشعور بأنهم غير كافيين . 

 يُعجِزُني دومًا شعور الاستحقاق. أتوقف كثيرًا أمام تصرفات كتلك الصادرة من الأشخاص الممتلئة بهذا الشعور. يعلمون تمامًا ماذا يريدون أن يفعلوا، ويفعلوه ! يا إلهي، بهذه البساطة ! يتجاهلون الأعراف والقوانين بواضعيها، لا يهمهم من يتكلم وما يقول، إنهم فاعلون. لا يحتاجون لمن يخبرهم لهم أنهم عالدرب سائرون، فهم بالفعل سائرون. تعودوا تمامًا على سماع كلمات المديح والإطراء، حتى لم يعدوا بحاجة لأي منها، تماهوا معها فصاروا كيانًا واحدًا. أنا الإطراء!

بينما ملئت خيبة الآمال نفوس هؤلاء أصحاب الشعور بأنهم غير كافيين. تتردد أصداء كلمات الملامة في قلوبهم إلى الأبد. يحملوا على ظهورهم حقائب من النقد الدائم لذواتهم ولما يفعلوه. تتقوص سيقانهم في كل مرة يجب أن ينتصروا فيها لأنفسهم بينما تغوص رُكُباتهم في مياة التضحيات الباردة.  يسكبون أرواحهم عند أقدام من معهم في محاولة الوصول للأكتفاء.يفعلون ما يُطلب منهم وما لا يُطلب. في محاولة دائمة أن يقدرّوا ذواتهم. هم مفعولون. يستكثرون أقل كلمة شكر. لا شيء يؤكد لهم أنهم مستحقيها. أنا الهجاء.

 يحكي الخال عبد الرحمن الأبنودي عن سبب عدم تعاونه أبدًا مع أم كلثوم. يبدأ حديثه بقوله " أنا راجل فيروزي" ثم يسرد ثلاث  مواقف طلبت منه أم كلثوم قصائد قد كتبها الأبنودي لأشخاص بعينهم. في أحد تلك القصص كان عبد الحليم حافظ يُسجل الأغنية في الإذاعة بينما كانت أم كلثوم في الغرفة المجاورة وأستمعت للأغنية فأعجبتها فأرسلت للخال تطلب منه أن تغنّي هي نفسها الأغنية ! أستشاط الصعيدي غضبًا من طلبها هذا وصرخ فيها " يعني أقول للراجل يطلع بره عشان حد تاني ييجي مكانه  " ! 

لم تكتفي فيروز أبدًا من سرد حبها لعاصي الرحباني، حتى بعد خيانته لها وطلاقهما ووفاته، أؤمن تمامًا أنه لو كان عاصي قد استمع لأغنية " سألوني الناس " وهو في قبره لحيى من جديد وعاد لها. أتذكر صورتها عندما زارها رئيس فرنسا ليكرمها في منزلها كانت كل الصور المتداولة وهي بسيطة، خجلى وتنظر إلى الأرض.

كلا الشعورين يدفع البشر للأمام، ولكن هل يكونوا أطيب ؟ أنفع ؟ أكثر أستقرارًا ؟! هل يئنس من يجاورهم ؟ هل ستكون كوكب آخر، أم ستجاور القمر ..


 




 



Tuesday, 22 June 2021

ليس ‏من ‏ذلك ‏بد ‏

إنني في حاجة دائمة لإذابة الجليد. يخبرني بذلك الثقب الذي في جوفي. فهو ولاتساعه تنقطع ما لدي من أواصل ود، وتبرد ما لدي من حماسة. أعرف أن هذا النهم للحياة لن يُشبع ولن يُرضى. ليس لذلك آخر ولا آخِرة ولا يوجد بوصلة أو اتجاه من الأساس. هذا الملل المقيم في نفسي والذي يحول بيني وبين كل سبب من أسباب الوجود. إنه دافعي ومثبطي وحيرتي وحيلولتي. 
يغرقني عقلي في محاولات دائمة لمعرفة ذاتي ولاستدراك الإجابات. 
من أكون.. إنني كل شيء أمكن أن يكون. يمكن تعريف السائل بأنه مرن بالقدر الذي يجعله يتخذ شكل الإناء الذي يحتويه. أنا سائل. سريع التشكل سريع التسرسب. 
يخبرني ذلك الثقب في قلبي الذي لا يرتفئ أبدًا بأني أحتاج لجرعات مكثفة من الدفء، والثبات والارتواء. أنا نبات. نبات لا يحتاج إلى هواء. تخبرنا الفيزياء إن الهواء كالماء من الموائع. يتسع بقدر المكان الذي يرحب به.
على ذكر الفيزياء اتذكر درس المكبس، كيف اتحمل التقلص إلى أقل حجم مع الضغط وكيف أتسع وسع البسيطة مع البراح. أنا هواء. 
أغوص أحيانا في نوبات حنين قاتلة. أود لو أني أعود لذاتي. أحن لأن أكون نسيًا منسيًا. أن أكون فراغ ما قبل الانفجار الكبير. أحن لأقدم شيء كنته. أنا فراغ. 
أشعر بنصل سكين حاد جدا على معصمي. كيف يكون ذلك الوجع عميق جدا وكأنك لا تشعر به. أمرره مرارا على نفس المكان. أو بسحق سيارة مسرعة جدًا وثقيلة جدا وترتطم بقوة شديدة جدا. لا يهم.. فأنا كثيرة الاحتمال.
أريد لكل هذا أن ينتهي.. أريد لكل هذا أن يزول. 

Tuesday, 30 March 2021

أريد أن أكتب مقالة طويلة جدا عن العنف السلبي.. 

كيف تركنا مفرّغين من كل إحساس بالطمأنية ومنعدمي تقدير الذات.

كيف حوّلنا لمسوخٍ تشبثت أعينهم بأعين كل من حولهم، منتظرين لكل إيماءة رضا، فزعين من كل شائبة نقد.

كيف نمضي الساعات في تتبع أشلاء ذوات نثرتها سُهْكة من نفس ذميمة. 

كيف أرضانا بأقل القليل وأرهبنا أن نقول هل من مزيد فنقعد ملومين محسورين.

كيف تسمرنا في مجالسنا في كل موقف احتجنا أن نتقدم فيه.. حاصرتنا عيون في رؤوسنا جاحظة محذرّة.

كيف كان عدم الاختيار هو الخيار الأفضل دومًا، نحن لا نعلم من نحن ولا ندري ما نريد. 

كيف نعيش حيواتنا باكملها ولم نعرف أبدًا ما هو الأمان ومتى يكف نهك القلب.

كيف أمضينا عمرنا نلقي باللوم على ذواتنا، ذواتنا فحسب.. أنا المخطئ، أنا المذنب، أنا العاص.

كيف حُرِمنا من معرفة أي إجابة لكل سؤال، وبخاصة هذا السيل من الـ " لماذات".

كيف لا يمكننا أن نتخلص من كل هذا الحِمل.. وكيف أصبحنا هكذا كالحَمَل.

كيف نصرخ " أريد أن أنام يا اليزابيث" 
فيجيب فان جوخ " لن ينتهي البؤس ابدًا يا ثيودور" 






Monday, 10 August 2020

السابعة ‏عشر ‏

يتردد صدى القرارات التي نتخذها في صبانا إلى الأبد. جزء من احترامنا لذواتنا الأولى هو تحمُّل تبعات تلك الحماقات. سيدة جميلة في الثلاثينات، تجلس في محاولة كاملة لاحتواء ذاتها. ليس ذلك الاحتواء الذي يخبرك عن قصور في ثقتها بنفسها ولكنه ذلك النابع من ثقتها بنفسها. الاحتواء الذي تمنع فيه أصغر إيماءة جسد طائشة أن تصرِّح بأي شيء عنها. 
إنها السهل الممتنع، توحي بساطتها أنها كتاب مفتوح بينما يؤكد صمتها أنها بئر محكوم. خفيفة الظل وسريعة القبول. يظن من يجالسها أنه أصبح صديقها، والحق أنها تزن كل حرف في عقلها ولا تنبس به شفتيها. حكيمة ورصينة ولا تتكلم ما لم تدعى لذلك. 
يخبرني ثقب أذنها الزائد أنها كانت مُراهِقة خفيفة، مُحِبّة لتقاليع الشباب، فعندما سألتها عنه أقتضبت بأنها قد فغلتها وهي بالسابعة عشر من عمرها. لم تكُن سعيدة بقرار حَلَق الأذن الزائد فيما يبدو، ولكنها كانت ملتزمة بِه تمامًا؛ ترتدي حلق دبلة على الدوام حتى لا تفقد ذلك الثقب إلى الأبد. 
اتسائل لماذا لا تتخلّى عنه؟! 
لماذا لا تخلعه وتنتهي تلك اللعبة؟! 
هل لنُبقي الذكرى؟! 
هل لتعيش معلقة على أسوار الأبدية؟! 
هل ليذكرها بسوء اختيارها المستمر؟! 
تُخفي عن الجميع أنها تُربّي طفليها بمفردها. نستنتج ذلك بعدما عرفناها لعامين. أتذكر في يوم سألتها أنا وصديقاتي عن قصة ووقوعها في الحب. أخبرتنا قصة مبتورة من كل التفاصيل البارز بها أنها كانت في السابعة عشر. 
لم تكن تعلم وقتها أنه عام الاختيارات غير الموفّقة.
 تحترم ثقب أذنها بالإبقاء عليه وتحترم زيجتها الفاشلة بالسكوت عنها. 



Friday, 26 January 2018

هايزينبرج

أُخبِر تلميذتي الصغيرة ذات البشرة السمراء والعيون الهارِبة أنه " إذا تعلّق الأمر باثنين، يجب أن يوافِق الاثنين"
 تتلوّى أمامي وتُدبدِب " ولكني أُريد أن ألعب معها "
ابتلع ألمي وأُكمِل " ولكنها لا تُريد، لا مُشكِلة في ذلِك، ابحثي عن رفيقة أُخرى"
اتذكرني .. كُنتُ أقِف مثلها منذ سبع سنوات .. أُدبدِبُ في الأرضُ صارِخة .. " ولكنني أُحِبُهُ، لماذا لا يمكِن أن يكون لي "
أشياءٌ كثيرةٌ لا نفهمها .. حتى وإن فسرها لنا الجميع وحاولوا إقناعِنا بِها يظل عقلنا متوقِّفٌ عندها..
لم استسلِم .. عكفتُ للصلاة والصيام والقيام داعية لله أن يملئ حُبي قلبَهُ .. " أليست القلوبُ بيديه يُقلَّبُها كمان يشاء ؟"
لم يستجِب الله لذلِك .. ولهُ الحمدُ والشُكر .. ولكن تركني الله وحدي مع ال " لماذا " ..
لماذا لم يستجِب الله لدُعائي ؟
لماذا جعلني أُحِبُه إذا كان لن يستجِب لدُعائي ؟!
لماذا لم يجعلنا الله مناسبين لبعضنا البعض ؟!
لماذا أدعو الله مرة أُخرى إذا كان كُل ما يكتُبُه لنا خير ؟!
ومنذ حينها اتبعتُ دين عدم التأكُد .. ماذا لو دعوت الله شيئًا آخر ولم يستجِب ؟!
ماذا لو استجب ولم أعد راغِبة في ذلك الأمر بعد ذلِك ؟
ماذا لو أستجب وكنت راغبة في الأمر وكان الأمر كدرًا لحياتي ؟!
في تقديري كُل شيء مُمكِن وجائِز .. كان عليَّ أن أعيش كُل ذلِك الألم حتى أعرِف أنه من النضج أن  أتقبَّل كُل ما يُريدُه الطرف الآخر .. 
هل أتقبَّل حقًا، أم هي مزاعِم النُضج والأنفتاج وتقبَُّل الاختلاف والآخر ؟!
هل لدي حلٌ آخر سوى القبول ؟!
الإرادة لا يُغيرُها شيء .. إرادة الله أو رغبة البشر .. كُل طرف عاجِز أمام رغبة الطرف الآخر ..  نحن عاجزين دومًا أمام أشياءٍ كتِلك.
أُحادِث صديقتي هذا الصباح
تسألني " ماذا لو ملََ زوجي المستقبلي منّي "
أجاوب: إن العلاقات لم توجد لتدوم، يجب علينا تقبُّل هذا
تُجيب: نعم، لن أحزن إذا ملَّ وأراد الرحيل ولن أمنعه، لن تستطيعي إبقاء أحد لا يُريد أن يبقى
أسألها: حقًا ؟!
تُكمِّل: ولن ألومه أو أغضب منه، هذا حق أي إنسان
أسألها: ماذا لو كان لديكم أطفال ؟!
تُجيب: هذا لا يمنع
أُضيف: لذلك أُفضِّل عدم إنجاب الأطفال
تستنكِر: وماذا لو قررنا عدم الإنجاب وعشنا سويًا طول العُمر سُعداء، ألن نندم على عدم الإنجاب ؟!
أصرُخ: يا دين هايزينبرج !!

أعودُ لنفس نقطة طفلتي.. أُدبدِبُ وأصرُخ " أنا لا أُطيق هذه الوِحدة، أنا لا أُريد هذهِ الحياة" .. يُجيب الله " لا مفرُ من إرادتي "



Friday, 20 January 2017

صديقي العزيز

تتبادر صورتك في ذِهني في أكثر المواقِف العشوائية وغير المُبررة. أظُنك شمّاعة عظيمة لتحميلك كُل ما لدي من آمال لم أصبو إليها. أتذكّر أنَّك كُنت سببًا لعودتي للكتابة. طُلِب مِنيَّ اليوم أن أذكُر شيئًا أفخرُ بِه، لم أذكُر تخطيَّ لإمرِك، لم أذكُر الأمر، ولم يتبادَر إلى ذهني من الأساس. إذا سُئِلت مرة أُخرى عن أشياءٍ أفخرَ بِها سأذكُر أني لم أتذكرك حينها. أعتقد أنك تبادرت لذِهني لأني أردتُ أن أكتُب ولكِني لم أجِد ما أكتُب عنه فكتبتُ عنَّكَ، علَّك تُرجِعني إلى الكتابة مرّة أُخرى.
صديقي العزيز .. أكتُب عنك في أكثر المواقف العشوائية وغير المُبررة. حينما أتجرد من كُل ما أشعُر بِه، تبقى أنْت. أكتُب لأبقى، اكتُب لتبقى، أكتُب لإني لا أجيدُ الحديث رغم أنّي كثيرة الكلام.
أظُنني نضجتُ كثيرًا هذِه الأيام. تِلك النضاجة التي تجعل صينية المعكرونة بالبشاميل مُحمرّة الوجه. أكره حين يدّعي الناس النُضج ويتحولوا للسوداويّة. أظُن النُضج يجعل الأشياء أشهى. أعلّم أننا على حافة الخروج من المجرّة، وأنّي لا أضع أي احتمالية لتحسُن أي وضع، أنا لا أعلم متى سينتهي كُل هذا أو كيف، ولكني أبدًا لم أفقِد إيماني بالبِر في قلوب الناس.
أستطعت اليوم أن أقول لزميلة لي أني تضايقت من طريقة حديثها، تدرّبت على الأمرُ كثيرًا وأخيرًا نجحت في التعبير عن أمرٍ ضايقني من أحد. آمل المرة القادمة أن أقول هذا بالعربية ولن أتخفّى في انجليزية تجعل الكلام أقل حدة " كنوع من اللُطف منّي".
حقًا لأ أعلم لما أكتُب كُل هذا الهُراء، ولكني أفتقِد الكتابة، أفتقِد أن أعتصر نفسي في كلِمات، أفتقِد حالة المخاض التي أكون فيها، أشعُر أني لا يجب أن أُقصِّر في الكتابة حتى في أجازتي النصف سنوية. أظُنني سأكتُب كُل يومٍ خِلالها .. أتمنى ذلِك ..

لعلّك بخير ..

Monday, 18 July 2016

غَرَقْ

‏على صخور سوداء صغيرة تسير أقدامها الشاهقة البياض، تحت سماءٍ غائمة تتكوَّن الأمواج، تتابع في ضجيجها المعهود. لا تلبث أن تتخلّى عن كل إندفاعِها وتبدأ في التخلل بين الصخرات البركانية، بينما تُكمِل ما لطاقتها بقيّة لتنكسِر عند قدميها. ترتعِش وتشهق، في محاولة لأن تظفر بكل مُحيطُها من هواء علّه يضغط على ضلوعِها من الداخِل، فتنفجِر. 

تتمسّك بِوشاحها وتُدير ظهرها للماء لتغوص فيه خطوة بخطوة، بتأنٍ وثِقَل. يبتل فُستانها الرمادي ويبدأ في الطفو. تتقدّم أكثر فأكثر، بذات الهدوء والرصانة حتى يعلو الماء ركبتيها. ترفع عينيها لترى النوارس فاردة أجنحتها في الهواء. تتمسّك بِوشاحها الأسود وتفتح ذراعيها كفراشة في الهواء. تمِدُ عُنقها بتتلمّس ذرات المياه في قفاها. تغوص أكثر في مياه تزداد عمقًا تختل لتغمرها المياه.  تُغمض عينيها وتمسح وجهها، تعود لتفتحهم من جديد. تهز رأسها لتطرد المياه من أذنيها. تسير أكثر نحو الداخل حتى تصل المياه عُنُقها. 

تتمدد، كل شيءٍ فيها يطفو على السطح. تتنفس بعمق. تُراقِب الأدخنة المتصعِدة من البركان والنوارس المحلقة في انتظار فريسة تنقض عليها. تُغمِض عينيها. تعلو بِها الأمواج وتهبط، تغمر وجهها ويديها. تزداد سرعة الرياح فتُباغتها موجة كبيرة، يختل ذراعيها المفتوحتين يستقيم جسدها فتقف بلا قرار. تُحرك يديها بعصبية، بلا جدوى. تغطس إلى الداخل وتخرج تتتابع أنفاسها المتهدجة. تغمرها موجة أكبر؛ تغوص داخل المياه لترى نجوم صغيرة، أحمر وأصفر وأخضر وبنفسجي. تراهم في عينيها كأنها حلقات من نور تتداخل في بعضها البعض، تصغر وتصغر وتصغر حتى لا تلبث أن تتلاشى فتولد من جديد بلون آخر. تنجح في الصعود مرة أخرى ليقابلها دخان البركان والنوارس المترقِّبة. تعلوها موجة أخرى، فتهبِط. تنسى ذِكراه.. وتغرق.



Tuesday, 7 July 2015

تماثل وتغاير

ثقافة الرائج أو ال mainstream أو فيما يعرف بالموضة. هو ما اتفق العوام " عامة الناس" على فعله في فترة زمنيّة حاضرة. وبما أن كل شيء أصبح الحصول عليه سهل ومتاح لكل شخص- شريطة أن تدفع ثمنها بالطبع - وموجود في كل مكان. فلذلك عندما نتكلم عن الرائج يفقد المكان أهميته لأن ببساطة المكان هو كل مكان أما الزمان فتتعاظم أهميته وتثقل. فالرائج والزمان متلازمان ولا تستطيع أن تذكر كلمة رائج دون أن تحدد الزمان. الرائج عام سين أو صاد هو هذا أو ذاك. وبهذا نجد أن كل من تصادفت حياتهم في هذا الزمان يشترون هذا المنتج أو يفعلون هذا الفعل أو يؤمنون بهذه الفكرة كأسلوب حياة. قد يكون هذا الأمر بالفعل أعجب مجموعة من  الناس. يشترط أن تكون هذه المجموعة هي الصفوة. فمن غيرهم سيتبع ويُحذى حذوه. فالكل يريد أن يكون مميزا مثلهم. فيبدأ الأمر بشيء أعجب بعض علية القوم وقلّدهم في ذلك الحاشية. وينتشر الأمر كالنار في الهشيم. الكل يريد أن يكون مميزًا. الكل يريد أن يتبع الجماعة. ومن هنا تأتي الشرارة التي يريد البعض أن يأتي منها بقبس.
وبعد ذلك تظهر مجموعة أخرى تقوم بهذا الفعل خوفًا من الخروج عن الصف. طمأنينة أن تكون مع الأكثريّة. أمان الشبه بينك وبين من حولك. فبما أني مثلهم فأنا في معيتهم عملًا بمبدأ الكثرة تغلب الشجاعة. إتقاء شر أن تتعرّض للهجوم أو أن تتهم بالتمرّد أو الجهل أو في أهون الأحوال التخلّف عن الركب.
نوع آخر من الناس يتبعون العامة نظرًا لقوة إلزاميّة هذا الرائج. فالرائج موجود في كل مكان ويفرض نفسه بكل عنجهية وتسلّط على كل ما هو غيره. فالمعروض إن كان سلعة تجدها تغزو كل الأسواق وتنتشر في كل مكان فلا تجد بد من شرائها أو بمعنى أصح تصبح واحد من مُريديها. وإن كانت هذه السلعة غالية - وبالطبع ستكون فهي معها نفوذ من آمنوا بها في البدء ونفوذ الطلب عليها - يظهر من هذا المنتج صور له مقلّدة سيئة الصنع، رديئة الجودة ورخيصة السعر وتكون بذلك البوابة التي تنفتح على مصراعيها لوصول هذا المنتج لكل فرد في يده. أما إذا كان الرائج فكرة فالأمر يصبح أسخف وأكثر لامنطقية. فقوة الفكرة تكمن في أن أنتشارها قد يصيب البعض بما يعرف بغسيل المخ. بخاصة إذا لم تكن لديك قناعات راسخة ترجع إليها إذا ما تزعزعت آراؤك ودون أن تشعر تصاب دواخلك بالذبذبة وينقلب عندك الخطأ والصواب ودون أن تشعر تجد نفسك تتبعها وتؤمن بها. فتجد بعدها أفواجًا من المجعجعين المرددين لما يحفظون وما يفهمون وممن يتكلمون ولا يصمتون. ولأن الفكرة لديهم شديدة السطحية فلا يستطيعوا التعبير عنها غير بالكلام. فكل ما يملكون هو ملئ الفراغ بأصواتهم.
وهناك التابعون غير المهتمين. الذين يستوي لديهم كل أمر فهم ليس لديهم سمة أو طراز ليسيروا على خطاها. فكل من سبقوا اختاروا أن يتبعوا أما هؤلاء فهم فقط فعلوا هذا الأمر ولا يوجد أي اعتبارات أخرى لديهم والغريب أن هذا النوع أعداده كثيرة جدًا. أعداد قد تفوق المجموعات الأخرى.

فكرة الرواج أو الموضة هي أكثر فكرة أوحديّة وعنصرية عرفتها البشرية. فكرة تحويل البشريّة إلى نسخ مكررة. إلغاء الفروق بينهم وطمس كل ما يميز آدمي عن آخر. هي أنانيّة لا تهتم بغيرها. ليس فقط لا تهتم بل تسحق من لا يتبعها. لا تعبأ بمن لا تناسبهم هذه الرائجة ولا تشفق على من لا يستطيع مسايرتها. تقصيهم بدم بارد وبدون النظر لاعتباراتهم أو أسبابهم. فهي تتحرك بقوة ونفوذ الأعداد الغفيرة. إذا لم تكن معي فأنت لست معي. ليس هناك خيار آخر. لا تهم في أي شيء تختلف عني هذا لا يعنيني من الأساس. أنت مختلف. وكل هذه الصلاحيات اكتُسِبت - فقط- من كثرة الجماهير الملتفّة حولها. هي ظالمة قدر ما يُظلم ويُسفه ويُحقّر الخارجين عن الصف. وهي مظلومة قدر ما يظلم مُجاذيبها بعد أن ينتهي زمانها.

Tuesday, 9 June 2015

خزعبلات خالصة.

من فترة حنّيت شعري وبقى له ضي أحمر. ما عدا شعرتي البيضة بقى لونها برتقاني. ببص في المراية دلوقتي لقيت زي ما بيقولوا اللون نزل. يعني البرتقاني بقى تحت وأبيض تاني بقى في شعري. انزعجت. رغم أني عمري ما انزعجت من شعري الأبيض وبحبه. الكام شعرة دول لونهم اتغيّر من سنتين تقريبا. لأ تلات سنين دلوقتي. كان الشعر الأبيض دا والندبة اللي في ذراعي بيفكروني بحاجات كتير حصلت. انزعجت من شعري الأبيض زي ما بتضايق لمّا بحس أن شكل رقبتي مش زي زمان. زي ما قدميني بقى فيهم علامات ثابتة وواضحة من لبس الجزم مدة طويلة. زي اللي في أقدام ماما. ساعات وأنا ماشية في الشارع وحد يكون معدّي جنبي وشكله يعجبني بقول لنفسي " يعجبك ايه دا أكيد أصغر منك". ورقميًا معظم الناس اللي حواليا سنًا أنا أكبر منهم. يوم حفلة سعاد ماسي شفت واحد كنت معجبة بيه وانا في أعدادي. هو كان زميلي في المدرسة وانا أعرفه من الحضانة. أول ما دخلت الحفلة حسيت أني هشوفه. وفعلا شفته رغم اني ما شفتهوش من سنين. بس من خلال متابعتي ليه عالفيسبوك هو تقريبا بقى شبهي أو أنا بقيت شبهه أيهما أقرب. بس المهم اني أول ما شفته حسيت انه بقى دمه تقيل وسخيف جدا. مش عارفة هو كان كدا وللا ايه بس الأكيد اني بما أني شايفة اني بقيت شبهه يبقى أنا كمان مملة زيه. بحس نفسي مش بعرف أهلس مع زمايلي اي الهلس. دايما بيقولولي اني ببصلهم نظرات تعجب واستغراب. العادي انهم بيكونوا واقعين من الضحك وأنا حتى ما ابتسمتش. من فترة برضه اكتشفت اني بنسبة كبيرة معظم اللي بحبهم سخاف ودمهم تقيل. وزي ما غادة قالتلي حساباتي غلط ومفاهيمي مش مظبوطة. يعني ايه المشكلة. لما يكون اللي بيضحكوني الناس اللي دمهم تقيل. أو اللي هزارهم فيه تفكير. وأيه اللي يضيرني أصلا أن أنا شخصيا دمي تقيل. اللي هو هيحصل ايه لو مش أنا نجمة القاعدة اللي بضحّك. الحاجات في مخي مربوطة في مخي برباط جزمة فردة لونها أسود وفردة لونها كحلي.

Friday, 28 November 2014

الوجه الآخر.

هذا المقال كُتِب بعد المناقشة والبحث والمراجعة والتشجيع من الحبيبة غادة وجيه ولذلك أود أن أشكُرها في البدء والتعبير عن أمتناني لها.
هذا المقال نتيجة التأمُلات المحضة ولا أعلم هل يمس الواقع بصلة أم لا ولكن "أهو دا اللي صار".
منذ حوالي عام أثار أحد الأشخاص على أحد شبكات التواصل الإجتماعي تساؤل جعلني أفكر فيه كثيرًا الحقيقة.
لماذا يتم تقبُّل المثليات أكثر مما يتم تقبُّل المثليين؟!
بمعنى إن لو أنثى تحب معاشرة الإناث يتم تقبُّلها مجتمعيًا والتعامُل معها بهوادة أكثر من الذكور محبي معاشرة الذكور.
الموضوع من الأصل عُنصُري. لإنه يبدأ بتقسيم العملية الجنسية لمراتب ومستويات. الأقوى والأضعف الأعلى والأدنى الفاعل والمفعول؛ الذكر لُه المرتبة الأقوى والأعلى من الأُنثى. هو الفاعل. على الصعيد الآخر فالأُنثى هي الأضغف والأدنى هي المفعول. ولذلك بتخلّي الذكر عن مُعاشرة الإناث يتنازل عن مرتبته ومنزلته العُليا يتنازل عن كونه الفاعل يتنازل عن ذكورته التي عنوان سيطرته وسطوته على الإناث ويُصبح في مرتبة دُنيا. يُصبح هو المفعول. ولذلك يتم رفضه وعدم قبوله والسُخرية والتقليل من شأنُه لتحوّل دوره من فاعل إلى مفعول.
أما ميل الأُنثى لمعاشرة أُنثى فليس على من هو في مرتبة أقل حرج فهي في الأصل مفعول وأصبحت فاعل.

هُناك نُقطة أُخرى لا يمكِن إغفالها. الأُنثى بالنسبة لكثير من الذكور هي " عاهرة " حتى زوجته وأمه في نظره " عاهرة " الأصل في البلاء والغواية. فبميلها لمعاشرة انثى مثلها تعطيهم سبب إضافي لتوكيد ما يكنوه لها من كراهية وبغض وتثبيت لفكرة عُهرها.

السبب الثاني الذي توصلت له هو سبب جمالي فنيّ.الجسد الأنثوي جميل وجدير بالإعجاب بعكس جسد الذكور الذي لا يخلو من الجمال ولكنه يتفاوت نسبيًا عن جسد الإناث.ولذلك أختيار الذكر لجسد أقل جمالًا للتمتُع بِه هو أمر يبدو غريبا ويحتاج للكثير من التفسير والفهم بعكس اختيار الأنثى لجسد أكثر جمالًا مما ينبغي لها أن تعاشره فمن الناحية الجمالية قد يبدو ذلك تفسيرًا منطقيًا.

أما عن أسباب انتشار المثلية الجنسية بين الإناث والتي بدأ يشكو منها الشباب مؤخرًا. فالمجتمع مليئ بالأسباب التي تحض الأنثى على فعل ذلك.في رأيي بدأت المثلية الجنسية في الانتشار بين الإناث كردة فعل طبيعيّة جدًا للتحرّش الجنسي المنتشر في المجتمع. فالأنثى لا ترى نفسها في عين الذكر إلا فريسة تؤكل. فهي عُرضه في أي وقت لهجماته المباغتة والغير مبررة والغير مفهومة أيضًا.أصبحت تهابُه،فهي تخاف المرور بجانبُه في الشارع، تستقل عربيّات مخصصة للإناث فقط في المترو وتود لو أن ينقسم المجتمع لإناث وذكور في جميل المصالح والشوارع حتى تتجنب الأحتكاك به والتعامل معاه. أصبحت تكرهه وتبغضُه وتشمئِز منه. أصبحت تشعُر أنه لا يأهبه بها كإنسانة ويعاملها كجسد فقط لا يهمه من تكون الأُنثى المهم هو جسد ذا أثداء وأرداف. أصبحت أكثر ميلًا للإناث وأكثر شعورًا معهن بالأمان. تحاول البحث في مثيلاتها عن الصفات التي تود أن تجدها في الذكر التي تريد الارتباط به.
إغفال رغبات الإناث الجنسية سبب أخر، فالكثير يعتبرون تصريح الأنثى برغباتها الجنسية حتى لزوجها أمرًا لا يصح ولا يجب أن يحدث في حين إن الإناث في أحاديثهن سويًا لا يخشين أن يتكلمن في أي شيء والتعبير عما يجول بخاطرهن بكل صراحة وحرّية. فالكبت الجنسي الأنثوي يتم أغفاله لأنه " عيب " لإنه " ما يصحش " رغم أنها غريزة فطر الله عليها الذكور والإناث إلا أن الذكر فقط هو من يحق له التعبير عن إعجابه بالأنثى، التعبير عن رغبته فيها، التعبير عن كل ما يجول بخاطره ليس فقط لزوجته ولكن لأيٍ من كانت وفي رأيي المثليّة الجنسية كانت نتاج لهذا " العيب " واللي ما يصحش ".

ومن خلال بعض القراءات لبعض تجارب المثليات عرفت أن الأمر قد بدء معهن بعلاقة حب حقيقية مع صديقة أو قريبة بعينها تطور الأمر لمعاشرة جنسية. فهي قد أختارت رفيقتها على أساس عاطفي بحت. إختارت أُنثى لا تُشبعها جسديًا فقط ولكن عاطفيا أيضًا وهو الجانب الذي يغفله الكثير من الذكور في علاقتهن بالأنثى. فالأنثى للكثيرين لتفريغ الشهوة وليس العاطفة وهي كغيرها لا يوجد أفضلية. كما أن العلاقات المثليّة لا تُكلِّف الأُنثى الكثير فهي لا تُفقدها عُذريتها ولا تحمِّلها أعباء أطفال كما إن الأنثى لن تحتاج للكثير من الحيل والخدع لتقنع أهلها بمقابلة " صديقتها " والتي لن يتوقّع أهلها أنها تنام معها.

ليس هذا فقط. الكثير من المثليّات لديهن مشاكل نفسيّة مع آبائِهِن، يرفضونهم، يكرهونهم بسبب إيذائِهن النفسي أو الجسدي لهُن أو لأمهاتهن، تربين على أنه لا أمان في حضرة ذكر لا يجب التسليم لذكر.
في بعض الأحيان يكون سبب الميل المثلي للأُنثى هو عدم الإحتكاك الكافي بالجنس الأخر، بمعنى " اللي نعرفه أحسن من اللي ما نعرفهوش " لم تعرف ذكور في حياتها لا تعرف كيف تتواصل معهم وتتكلم وتُظهر ذاتها الأنثوية فتلجأ إلى من تعرف أكثر وتعرف التواصل معه بصورة أفضل.

الفن والجمال سبب من أسباب ميل الإناث للمثلية الجنسية فجمال جسد الأنثى وقدرته على إثارة الإعجاب والأحاسيس لا تشمل فقط الذكور ولكن حتى من هن من نفس جنسها لا يملكن إلا حب هذا الجسد وفي بعض الأحيان إشتهاؤه.

بعيدًا عن الحكم على المثليين وبعيدًا عن أحكام المجتمع والدين ورفضهم أو تقبلهم، فأكثر المثليين يكرهون الجنس الآخر بسبب عنف أو ذكريات أليمة أو بغض أو تحرّش أو عدم الشعور تجاهه بالثقة والأمان أو حبًا في جنسهم والشعور أنه الجنس الأفضل والأجدر بالمعاشرة.وقد يرجع ذلك إلى آثار نفسية متراكمة منذ الصغر، تسبب بها كلا الوالدين أو أحدهما بشكل أو بآخر، وهذة قصة أخرى.

Tuesday, 23 September 2014

لازالت عمليّة التفرقة بين يدي اليُمنى واليُسرى تستغرق مِنّي وقتًا يتجاوز الخمس ثوان وتتطلّب الكف عن فعل أي شيء وتركيز تفكيري على الإجابة فقط. أذكُر أن السبب في عدم تفوّقي في الرياضيات هو توقُّف استيعابي لها حين أُدرِجت الأرقام السالِبة في العمليّات الحِسابيّة. الأشياء وعكسها تُجهِد عقلي وتستهلِك طاقتُه. اليمين/اليسار، السالب/الموجب، ادفع/اسحب. كل هذِهِ الأشياء تُربِكني منذ نعومة أظافري حتى الآن. وأنا لم أتغيَّر.
عَمِلتُ بنصيحة بكثيريين ممن حولي للتخلُّص من مشكلاتي مع أهلي ومن فراغٍ أدورُ فيه. استغرقت في ساعاتِ عملٍ طويلةٍ أنهكتني واستفذت قواي الجسدية والعقلية. استيقِظُ في الخامسة فجرًا وأنام في التاسِعة مساءًا. أعودُ لمنزِلي لقضاء ثلاث ساعات نصف مستيقِظة خائِفة أن أسهو وأنام. فقط حتى لا أُفسِد نظِامَ يومي. بالرُغم أن كفائتي الذِهنية والجسدية في هذِه المرحلة من اليوم تنخفِض إلى ما دون الـ 30 % بالمئة. أصبح نهاري لا يتسع لأيٍ مما أُحِب فِعلُه. والليل الذي أُحِب سهرِه لم أعُد ألتقيه. لم أعُد استطيع تمضية بعد الوقت مع أُخوتي. لم تعُد لدي المقدرة البدنيّة على مزاولة أي نشاط في أي يوم غير أيام الأجازات الأسبوعيّة. وكل هذا فعلتهُ هربًا من مشاكل نبعت من كوني فتاة -نعم مشاكلي سببها أنّي فتاة-. كل ذلك حتى أدور في المدار. حتى تُصبِح حياتي أكثر راحة وسعادة وأقل عُرضة للمتاعب والانزعاجات. وتمت المُهِمّة ونِلت المُراد ولم أعد أُمضّي مع أهلي هذِه الساعات الطويلة المُرجّح أن تكون هي سبب المشاكل القائِمة على الدوام.
ورُغم كُل ما بذلته من جهد ووقت وصحة لازلتُ أُحارِب للحصول على أبسط حقوقي. لازِلتُ أتحايل لأقضي بعض السويعات مع أصدقائي. لازلت أتذلل للحصول على موافقات. لازِلت مُرغمة على تقبُّل " لاءات " غير مُسببة وإن عُرِف سببها لا يبطُل العجب مِنها. لازالت مشاعري مضطرِبة، ولازِلت أحتاج لرفيق يملأ فراغي. ولازالت الأرض متعبة من دورانِها في مدار الشمس. لا شيء يتغيّر.
أتمنّى أن أكون قد تعلّمت الدرس والعمل بنصائِح لا جدوى منها. أتمنّى التوقف عن تعاطي المُسكِّنات والمُخدِّرات والبدء في حل مُشكِلاتي والتدخُّل جراحيًا للتخلّص منها إلى الأبد. راجيةً ألا يُكلِّفني ذلِك التخلّي عن كوني فتاة من الأساس. وإلا سيكون عليّ أن أتقبَّل أن عقلي يحتاج لخمس ثوانٍ ليستطيع التفرقة بين يدي اليُمنى ويدي اليُسرى.

Sunday, 4 May 2014

الحُب في زمن الياسمين

تستيقِظ كُل صباح على صوت رنين الهاتف. ترفع السمّاعة وتسمع المُتصِل يقول نفس الكلِمات التي يقولها كل يوم وكأنها أوَّل مرة تسمَعُها: " صباحك ياسمين ".
تكشِف عن أسنانها العاجيّة مُتنهِدة ثُم تُجاوِبُه بنفس الإجابة ككُل يوم " صباحَك كاميليا " ثُم تُضيف " لا تتأخَّر ".
يرُد: " لن، فقد أوحشتني " .
تضحك ضحكة تُغلِق بِها عينيها آذِنة لنور الشمس أن يسطع بالغُرفة ثُم تضع السمّاعة.
لم تقُل لَهُ سلامًا قط طوال خمس سنوات يُخابِرُها على الهاتِف كل يوم صباحًا.
تُنزِل قدميها المطليّة أظافِرهما بعناية فتاة في العشرين مِن عُمرِها، تقِف وتتسنَّد بتؤدة على الحائِط حتى تصِل للمرآة الكبيرة التي تتوسط الحائط المواجِه لسريرها، تبتسِم فتلمع عيناها وتبرُز تجاعيد عرضية حولهما صانعين ما يُشبِه أشعة الشمس في وقت الشروق.
خطواتُها رصينة، مُتماسِكة أصغر بعشر أعوام من عمرها الحقيقي. تغتسِل وتذهب إلى مطبخها الصغير لتعد فطيرتين، تختار اليوم الأناناس ليُضيِّفهُما. 
تترك اللبن على النار ليغلي بينما تسقي شجرتي الياسمين والرمُان. تعود للمطبخ لتحضير القهوة بينما تُمسِك خُصلات شعرها الفضيّة وتمشِطُهما، لم يعُد برأسها الكثير منه، ولكنها لازالت تعتني بِه وتُكلِلُه بورود من شجرة الرمُان رغم معرفتها أن بكُل وردة تقطفها تخسر ثمرة تأكُلها.
تنتهي من القهوة وتمشيط شعرها لتُبدل قميص النوم بفستان بيتي قطني أبيض يُظهِر خطوط الزمان على عُنُقِها، تتعطّر بعطر تعود رائِجتُه لخمسين عامًا.
تضع الطعام على طاوِلة بين شجرتي الرمّان والياسمين اللاتان تحتلا مساحة كبيرة من الشُرفة بينما تسمع دقاتُه المُعتادة على الباب والتي لم يتغيّر إحساسها بشغفِه لتفتح الباب قط.
تُسرِع لتفتح لَهُ الباب وهي تعلم أن خطواتها الهونة لن تُسعِفها، ولكنها تحرص دومًا أن تُسرِع حتى لا تترُكه وحده طويلًا.
يُغطي وجهَهُ بالزهور التي يجلبها لها ككل يوم، نفس الفرحة تشعُر بِها ونفس الفراشات تطير في بطنها، تبتسِم لَه الابتسامة التي خصتهُ بِها، مزيج من الحُب والاشتياق والراحة والشغف.
تُفسح له ليَدخُل، ترن صوت أقدامُه الثلاثة على خشب الأرضيّة العتيق يعرِف المكان جيدًا ويعرِف ما يجب عليهِ فعلُه. يدخُل المبطخ ليُحضر آنية زُجاجيّة يضع بِها الماء والقليل من السُكَّر ثُم يُنسِق بِها الوردات البيضاء والحمراء ثم يضعها على طاولة الطعام. 
يُشغِّل جهار التسجيل على أُغنيتهُم الأثيرة " إمتى الزمان يسمح يا جميل " ..
تُرسِل الشمس أشعتها الحميمة لتُدفئ المكان بينما نسمات الهواء الصباحية تُنعِش الجو.
تضع فطيرَتُه في طبقِه وتسكُب القهوة والقليل من اللبن في فنجانِه وعينيها لم تُغادِر عينيه، يخُصها دومًا بنظرة يحتضنها كُلها جسدًا وروحًا، تؤمن أن هذِه النظرة هي ما تُبقيها حيّة كما يؤمن هو أن ابتسامتها هي ما تمنحُه الانفاس.
يتناولوا الإفطار في هدوء رجُل وامرأة في السبعين من العُمر وقد يكون هذا الهدوء هو الشيء الوحيد الذي يُستدل بِهِ عن عُمرهُما.
يضعها الشوكة والسكين على الجانِب الأيمن من الطبق ويبدأن باحتساء القهوة بينما يُريحا ظهرُما على الكُرسي ورجليهما مُمددة إلى الأمام.
يُمسِك بيديها ويضعهُما على الطاوِلة، يُحب رؤية تلألؤهما تحت الأشِعة الصفراء، يتحسس عروقهما النافِرة بطرف أصبَعِهِ ثُم يُقرِبهُما من شفتيهِ ليطبعهُم عليهِما.
يقول مُبتسِمًا: " واهو الزمان سَمَح يا جميل "
تتكئ رقبتها على ظهر الكُرسي وتكون عينيها بعينيه مُباشرةً وترُد: " تعلم كم أُحب الخريف، أنتظرناهُ أبدًا نعيشُ فيه " 
يتنهّد تنهيدة تُخرِج من صَدرِه مرارة واشتياق خمسة وأربعون عامًا من الفُراق والخوف والأحزان، يُغيّر من وضعيّة رقبتُه ليجلس مثلها مُمسِكًا بيدها بينما يُحدِقا في الأُفق إلى اللانهائية وقد تصاعدت رائحة الياسمين في الجو لتُعبِئُه.


القصة مستوحاه من رواية الحُب في زمن الكوليرا


https://soundcloud.com/mohamed-ouda-11/sets/lwmtsebjpc4b 
https://soundcloud.com/lana-del-rey/lana-del-rey-young-beautiful

Friday, 21 March 2014

أنا بخاف من الكوميتمنت ..

أقفلت كُل حسابات التواصُل الإجتماعي الخاصة بي، لم أعُد أرغب في أن  أتواصل إجتماعيًا مع أي شخص، بِت أشعُر أن الأُناس لا يستحقون المعرِفة أو المُعاشرة، لا أحد يستحق الحُب، لا أحد يستحق الاهتمام، قد أكون أنا من لا يستحق ذلِك وأُلصِقها بالناس، ولكن حسنًا أنا لا أخاف من أكون في موضع الاتهام فالنتيجة واحدة، أنا لا أُريد أن أعرِف أحد، فكُل من كُنت أتخيّل فقدهم في أسوء أحلامي قد فقدتهُم، لا لم يخونوني، فقط فترت علاقاتنا وجف نهر المودةٌ بيننا، لا داعي لإنشاء صداقات ومعرفة أُناس جديدة، الكُل سيرحل، الكُل سيصير غريبًا، ستبتعِد، أو تُبعِدَك الدُنيا، لا يهم، أنت ستبقى لوحدك بالنهاية ولن يهتم بِك أحد، تسأل أحدهم النصيحة، وتعمل بِها، ولن يهمُه ما ستُعانيه جراء نصيحتُه، لن يسأل عليك أحد، ستصير بمُفردك بمواجهة ما تُقاسي، لا أحد يعلم ما بِك، لا أحد يُريد التحدُث معك، الكُل يتذكرك من أجل بعض الخروجات التي يحتاجك فيها لإنه لا يُريد أن يكون وحيدًا وهو يحتسي قهوة الصباح في المقهى ويشعُر أن كُل هذا الحُزن قد أل إليه وأصبح مصيرُه، الكُل يهرب من حقيقتُه، إنكُم مصطنعون، وأنا لدي الكثير من المشاعر التي أُغدِقها على أي شخص بسبب أنني لا أجِد من أشملُه بحُبي، أصبحت أخاف التعلُّق والارتباط، أجِدهُ في الأصل ليس ذا معنى، ما معنى أن تصنع الذكريات مع أشخاص سيُصبِحوا ذكريات، سيجرحوك، سيجرحوك في أعز ما تملُك، ذكائك وتصديقك لهُم، ثقتك في أنهم لن يخونوا عهد الصداقة ويتركوك وحيدًا تتختنِق في المساء بويلات الذكريات السعيدة السالِفة، لا معنى لشيء ليس بدائِم، فأنا لا أؤمن بتوسُلات كاظم الساهِر " أحبيني لإسبوع لايامٍ لساعاتٍ، فلستُ أنا الذي يهتم بالأبدِ" الأبد هو ما يهم، تكرار الحدث هو ما يهُم، وهو ما يعُطي للأشياء معناها، ولإني اهتم بالأبدِ، وأصبحت لا أؤمِن بأبدية العلاقات، فأنا بخاف من الكوميتمنت ..


Thursday, 13 March 2014

رغبة في الاستقرار ..

" قِلّي، احكيلي نحنا مين، وليش بنتلفت وخايفين " 
تَمُرُّ عليَّ بعض الأوقات التي أشعُرُ فيها أن الخوفُ يُثلِجُ جميع خلاياي، كأنَهُ جبلٌ من جليدٍ يُحاوِطُني، أَحِسُ أن أحشائي تعتصِرني وتصرُخ لتخرُج عبر فمي في نوباتِ قيء مُريعة، الصوتُ لا ينتقِلُ في الفراغ.
أحيانًا أتصوَّر أنه ستُحَل جميع مشاكِلنا، ونعبُر تِلأك المرحلة ولكني لن أكون بسلام، فستستيقِظ في الليل على أصوات صرخاتي الهالِعة، أصواتٌ نابِعة من خوفٍ مُقيمٍ في روحي، ستُحاوِل احتضاني وتهدئتي، سأهدأ وأُعاوِد النوم ولكنك ستجدني في اليوم التالي أتخبئ في في مكانٍ ما في بيتِنا، ستُحاوِل أن تجِدُني، ستبحث عني حتى تعرِف مكاني خلف أريكة غُرفة المعيشة مُسنِدة ظهري على الحائط، وضامَّة رُكبتاي إلى صدري وأرتجِف ودُمُوعي تُبلِل خدّي وفي يدي سواد من أثر كُحلُ عيناي، ستسألني لِما أنا خائِفة، سأضُمَك ضمة من وجد صيدٍ، وأُعانِقكَ عِناقَ مُحتَضِر  سأُطبِقُ على رقبتِكَ بين يداي، وستجِد عيناي زائِغتان وأنفاسي تتهدَّج، سأقولُ لك لا تُفلِتَني، لا تَفقِدَني، تخبئ معي حتى لا يَجدونا، لن أُطالِبَك بالهرب، فقط سأطلُبُ مِنكَ أن نتختفي من أمام أعيُنِهِم، حتى لا يقتفوا أثرنا، سَأُخبِرُكَ أني أُحِبُكَ وبرغم أن بين ذِراعيكَ سكني، فإني لازِلتُ خائِفة، خائِفة أن لا أكونَ معك مرة أخرى، قُربي منك ووجودي معك سيُخيفُني أكثر وأكثر، سأطلب منك الابتعاد والاختفاء أكثر وأكثر وأكثر، سأحاوِل في يوم انتزاع ضِلعَك الأعوج وأن أسكُن مكانُه وأختبئ ولا يُعرَف لي أثر.
قد نكون في يومٍ سائرين في الشارِع وفجأة سأُمسِك يديك وأنظُر يمينا ويسارًا، سأضغط على يديكَ أكثر، حد الذي يوجِعهما، سأبدأ بالجري مُمسِكة بيديكَ، سأجري وأجري في الشارِع، وأنت تتبعني في ذُهولٍ، ستتقطّع أنفاسي، وتتحِد دقاتُ قلبي مع رنات كعب حِذائي، ستُحاوِل مُناداتي ولن أسمَعُك، فقط سأنظُر ورائي وأُقفِلُ أكثر على يديكَ، سآخُذُكَ إلى أضيق شارع نمُرُ بِهِ، وسأُدخِلُكَ باب أصغَر بيتٍ فيهِ، وقتها ستُعمي الدموع عيناي، وتختَنِقُ الكَلِمات في حنجرتي، سأتمسَّك بمعطِفَك وتخور قواي، وتفقِد قدماي قُدرتهما على حملي، سأتمسَّك بِمعطفِك أكثر، سنبدأ بالسقوط سويًا على رُكبتينا، ستُخبِرني أن لا أخاف، وسينطبِع رسم عيناي على قميصَك ويتبلل بالدموع، سنقِف على رُكبتينا وأنا أضُمَّك كأخِر أمل لي في الحياة، سأقول لَك أن ما يجعل الخوف يملئ قلبي هو وجودك بجانبي وخوفي من فقدِك، وأهمِسُ لَك ككل مرة أن قلبي لن يعرف الطمأنينة إلا إذا انتزعت ضلعك الأعوج من صدرِك وأستقريت مكانُه، ستُضمني أكثر وتبتسِم، وأنا لن أهدأ ولن أستقِر.


Sunday, 9 February 2014

طيف ..

لم تكُن المرة الأولى التي يراها فيها، فقد مّرت من جانِبِهِ عِده مرَّات مِن قبل، لم يكن من الضروري أن يراها بأُم عينيه ليتعرَّف عليها، فقد تعرَّف على جِهاز حِسي جديد مُنذُ أول مرّة يلتقيها في الشارِع، فبات يعرِف " وهو الذي لم يدرُس كيمياء الجسد " أن الحُب يبدأ بحاسة الشم، فرائحتها نفذت إلى أنفِه لتدُك أول حصونُه مُعلِنة عن بِدء استعمارها لقلبُه، وبالرغمٍ من أنها لم تكُن بالقرب الكافي ليُدرِكَ رائِحتها، ولكنها استطاعت الوصول إليه والسُكنة في روحِهِ وأصبح يستطيع تمييزها من بين العالمين، تعلَّم أن بجلدِه مُستقبِلات حِسية للحرارة والكهرباء، فبمجرد مرورها من جانِبِه تشتعل الحرارة في جسده وتسري الكهرباء في بدنِهِ، ولأول مرة يشعُر بالفراشات ترتعِش في جوفِه يوم تطايرت شعراتها مع نسمات الهواء الرقيقة، لِما يقولون أن الحواس خمس وكُل عصب فيه يُميزها بطريقة تختلف عن العصب الذي يُجاوِرُه.
كانت تسير ببُطء، والكون كُلَه يبُض على رنات خطواتها الوئيدة، حين أدركتها حواسُه كُلها دُفعة واحدة واختُزِل هو نفسُهُ في قلب يدُق مع مرّات تنفُسِها، كان يود لو أنها تكون بخُف الهواء فيستنشقها وتملئ رِئتيه، ومع ذلِك .. فقد كان يومها كُل شيء حُرًا في الهواء، شعراتِها المموجة، ذيل فُستانها الفيروزي، رائِحة عِطرها الشذية، وروحي حلقت فوقهم جميعًا في السماء الواسِعة فهذِا بُستان نبت في قلبي مُنذ أن رأيتُها، وهذِه السحابة أتخذتُها مسكنًا لي بعدَ أن أحببتَها، وتلك أنهار من مِسكٍ وخمرٍ تدفقت في شرايني ما ان داعب أنفي عطرها، ويا ويلتي، صِرتُ أُحِبُها عدد المرات التي تمنيت فيها أن أضُمها، أتنفسها، أتذوَّق طعمها. لم أعُد أعرِف هل ما أصِفَهُ الآن هو احساسي أول مرة أراها أم احساسي حين رأيتها الآن، فكُلما شعر بوجودِها جسدي أحبها من جديد ككل مرة يشعُر بِها، حُب لم  يتغيَّر ولم يشوبه أي نقص مُنذُ أن وُلِد، هي نفسها لم تتغيّر، حتى وإن استبدلت فستان المدرسة التركوازي بزيها الرسمي الذي تذهب بِه إلى عملها، حتى وإن حلّت جدائِلها وتركت العنان للنسيم ليفعل بِهِ الأفاعيل، لا تطلّع الشمس إلا عندما تمُر على عينيها السوداوين، لا يتوقَّف الزمان إلا  عند رؤيتها، أحيانًا أتعجب كيف أن بقيّة المارين لا يُعجبون بِها كما أُعجب بِها، ولكن يبدو أنها شمسي أنا وتسطع لي وحدي أنا، سألتُ نفسي دومًا لِما لا أُحادِثُها، لِما لا أقترِب منها، لِما لا أبوح لها بمكنون صدري لِما لا أتخِذُها زوجة كما اتخذتُها حبيبة أبدية ؟، لِما لا أجعلها تُنير لياليّ كما أنارت بصدُف لُقياها كُل حين أيامي وأسابيعي حتى أراها مرة أخرى لتملئ حياتي من جديد بالفرح والسعادة، لِما لا أحتفِظ بكُل هذا الجمال معي؟! ما هي فكرتي عن الحُب وما هي غايتي ..
ولكِني كُنت دومًا أشعُر بانها أجمل من أن أقترب منها، أجمل من أن ألمسها، أجمل من أن أُحادِثُها، هي أجمل من كُل شيء وأحلى في خيالي من أن أشوهها، في كل مرة أُفكَّر في التحدُث إليها يخطُر في بالي ماذا لو اقتربنا ولم تكن جميلة كما أراها، كيف ساعيش حياتي بدون حبيبتي الأسطورية، هل سأشعُر بكُل هذا الجمال بداخلي بعد أن يذهب جمالها من عيني، هل أحتمِل أن أفقِد حلاوة رؤياها صُدفةً فتحلو كُل ساعة في يومي، لا أجِد أن فقدي لحلاوة الصُدف والمسافة التي تجعل منها طيف وأميرة وأسطورة لُه معنى .. فالزم مكاني بعيدًا عنها وأكتفي بالابتسام لها وأمُر في سلام متناسيًا التفكير في ماذا سيكون طعمها لو أني تذوقتها ..



Saturday, 4 January 2014

#عن الحاج خليل إسماعيل ..

كيف أُرثيك وجنة الخُلد مكانك، وكيف لا أُرثيك وأنت أعز عزيز وأغلى غالي، جدي الحبيب لازلت رغم مرور ثمان سنوات على رحيلك أتذكر رائحة عِطرك، لازلتُ أتشوق لأن أسير معك وأنا مُمسِكة بيدك " حتى عندما كُنت في السادسة عشرة من عُمري وأنا أشعُر أني في حرم زعيم شعبي الكُل يُسارِع للسلام عليه ومُحادثتُه والتبرُّك بِه وبحضرتِهِ، لازلت أتشوق لمشاكستك وتدليلك وأنا أقول لك " إنتَ زي القمر يا جدو " والحق أن القمر هو الذي يشبِهك، لازلت جدتي تحكي لي نوادرنا سويًا وكيف كُنت تمنعها من ضربي عِندما كنت أُبعثِر محتويات دولاب المطبخ من " دقيق وسُكر وسمن ومسحوق الغسيل " قائِلًا لها " إصنعي من المسكوب حلوى لنا " ، هل تذكُر يا جدي عِندما كُنت تأخُذني لنجلس سويًا في سان ستفانو على البحر وتشتري لنا ساندوتشات الفول ومشروب التيم، رغم أنني كُنت في الثالثة من عُمري إلا إنني لازلت أذكُر الكراسي الخشبية الزرقاء التي كُنا نجلس عليها، عندما كُنت تحرص على شراء خروف العيد لنا، وخروف أخر في الصيف لنلعب ونتسلى بِه على سطوح المنزل، عندما كنّا نفطر وكُنت تحكي لي أنت وجدتي عن تفاصيل زفافِكُم، كانت جدتي تصف التفصيلة وأنت تتهكم عليها وتصفها بشيء غير ما تقول، لازلت أُحب الشيخ أحمد نعينع في وقت الضحى كما كُنت أسمعُه في صباحات بيتك الدافِئة، صوتك وأنت تُرتِل القُرآن، ردّك علينا " هنرتاح في الأخرة كتير " عندما كنا نحثك على الراحة وعدم الالتزام بقيام الليل كما كُنت تحرص، ولكننا منذ وفاتك لم نعُد نُعد الزلابية بالعسل وحلاوة الدقيق كثيرًا، تجمُعات العيد تفتقِدُك وتشتاقك وتترحّم على تنويرك وتشريفك لها، عيناي تشتاق لرؤيتك على كُرسيك المُفضّل المواجه للباب وأنت تضع ساق على ساق وأنت تستقبلنا، كبرنا كُلنا يا جدي فأصغر أحفادك صار في الصف الثالت الابتدائي وأنا يا جدي أنهيت كل مراحل التعليم وأصبحت عاطلة قد الدُنيا، أعتِب عليك يا جدي لإنك رحلت قبل أن أكبر وأكون أكثر معرفة لما أُريد معرفته منك، كنت أريد أن تحكي لي عن التهجير وقت الحرب العالمية التانية عندما كنت صغير، أيضًا كُنت أُريد أن تصف لي مصر في الستينات وعن رحلتك في الأقصر وقت تصوير فيلم " غرام في الكرنك "، تفاصيل موافقتك على زواج أبي من أمي " جدتي لا تنفك تحكي لي هذِه الحكاية ولكني أثق أن الحكاية منك ستكون مختلفة "، أبتسم حين أرى ياسمين عبد العزيز لأني أعلم أنك كنت تُحب شقاوتها، لازل في قلبي أحترام لبرنامج " العاشرة مساءًا " لأنه كان برنامجك المُفضّل، أشتاق لك يا جدي، وأشتاق للوقت الذي كُنا نعيشُه معك، رحمِك الله يا جدي وأسكنك فسيح جنّاتُه، كنت نعم الجد ونعم الرجُل. بحبك يا جدو ليل " كما كُنت أُناديك "  ..
نسألكم الفاتحة

Sunday, 8 December 2013

أنا بنت مين يا دادا ؟!

تجلِس لتُتابِع فيلم على أحد القنوات، بالكاد طولها يبلُغ كَتِف أُمها، لا تحتاج لحساب عُمرها لأكثر من ثلاث كفوف، يبدأ الفيلم، وما أن تشتعِل الأحداث حتى يقع البطل في غرام البطلة الحسناء ويهيموا في الدروب والطُرُقات، تارة يُغازِلُها تحت شجرةٍ وارِفةِ الأوراق، وتارة أُخرى يحتضِنُها بينما يسيروا على الكورنيش، وينتهي الفيلم طبعًا بزواج الأبطال، نهاية سعيدة غير منطقية بالتأكيد، إنهُ الحُب وسِحره أعِزائي
تسهر لياليها تحلم بالحُب وبالحبيب، تتخيل نفسها في كُل مشهد من مشاهد الفيلم الرومانسية، تشتعِل بالحماسة لتُجرِّب نفس الإحساس، تنتظِر بينما تُشاهِد صديقاتِها من حولها ينعمن بمس الحُب.
لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له.
البطلة تستقِل عن حياة أهلها في سن الثامنة عشر، تُعمل نادِلة في مطعم، تؤسس غُرفة غاية في الجمال والبساطة تدُل على عظمة مهندس الديكور الذي إختارهُ المُخرج ليُصمم تفاصيل الفيلم، تلتحِق البطلة بالجامِعة، تدرس ما تُحب، تتعرف بشاب وتُحِبُه وتنتقِل لتعيش معُه، تتخرج من الجامعة تعمل في وظيفة مرموقة تتزوج هي وحبيبها، يُسدل السِتار، تصفيق حاد، كم أنتِ عظيمة يا هوليوود.

تكبر وتلتحِق بالجامعة لتسمتِع إلى قصص أساتذتها العظيمات وكُلًا منهُن تحكي قصة كِفاحها وعيشها في بلد أوروبي وحدها حتى تحصُل على شهادة الدكتوراه وكيف كانت قوية بالقدر الذي تستطيع معُه أن تعيش بمُفردها في بلد غريب وتكررت القصة مع زميلاتِها اللاتي أصبحن مُعيدات اليوم وأساتذة المُستقبل.
  الست من بيت أبوها لبيت جوزها عالقبر على طول

إعلانان لنفس مسحوق الغسيل يتم عرضهم على التوالي، الأول البطلة مُحجبة، الإعلان موجه لسيدات الطبقة الفقيرة وعامة الشعب، الإعلان الأخر البطلة ذات شعر كستنائي لامع مسدول على الكتفين تتحدث مُخاطِبة سيدات المُجتمع الراقي.
 الحجاب فريضة على كل مسلمة.
إلمسني خليني أكون متأكِدة ..
لازم يكون فيه حدود بين الراجل والست حتى وهما مخطوبين مع إن الخطيب لو كان يعرف خطيبته قبل الخطوبة عيب يلمسها بس في الخطوبة ممكن يبوسها عادي وقُدام كُل الناس مع إن في الحالتين حرام.
راجل بالنسبالي يعني تيمور وأي راجل تاني ما يبقاش راجل 
أحضنيني لو الغرام ممنوع .. 
هوّن يا رب ..
الفنانة ------- تُصرح بعد خلعها الحجاب وعودتها للساحة الفنية أن الحجاب هو حجاب القلب وليس حجاب الشعر.
أصل الحجاب دا ثقافة، ما ينفعش تبقى زوجة رئيس الجمهورية محجبة عشان تعرف تستقبل رؤوساء البلاد التانية.

تُقرر إرتداء الحجاب بعد إنتشاره في أوساط المراهِقات، لم تستمع لشريط عمرو خالد ولم تُرهِبها أحداهن من عذاب النار، سألها حبيبها " هل ستصومين رمضان هذا العام كطفلة أم كآنسة كبيرة " .. لم تستطع سوى أن تُلبي أمرَهُ بإرتدائها الحجاب. رغم كُرهها لهُ وعدم إقتناعِها بِه. نعم إرتدتُه من أجلِه فقط.
وبعد مرور سنوات، موظفات الإستقبال في كُبرى الشرِكات غير مُحجبات، محاسِبات البنوك غير مُحجبات، الإعلاميات، الصحفيات، سيدات المجتمع " الراقي " غير محجبات " .
الحجاب فريضة على كل مسلمة.
تقف أمام أمها، تبتلع ريقها، تجهر بِها، " أُريد خلع الحجاب " 
....
لإني لا أجِد نفسي فيه، لم أكُن أُحِبُه، وكُنت صغيرة عِندما إتخذت قرار إرتداؤه.
لستِ إبنتي إذا فعلتي هذا ..
........
تظل رغبة خلع الحجاب بداخلها رغم تنشئتها على أن الحجاب فريضة رغم كونها غير مُتأكِدة من قُدرتها على خلع الحجاب إذا سمحت لها الأُم.
مؤمنة بأنها يجب أن تحتفظ بحقوق زوجها كاملة، بداية من " أُحِبَك " وحتى ما شاء الله، لا تُريد أن تُسمِع غيرَهُ كلامًا معسولًا ولا أن تخرُج مع أحدًا قبلَهُ، تربّت على ذلِك، عقلها يقولُ لها ذلِك، مشاهد الأفلام الرومانسية تسكُن قلبها، هي ليست رومانسية، ولكن كُل فتاة تبحث على كلمات وجنون حُبٍ يُرضي أُنوثتها، عندما سنحت لها الفُرصة وظهر في حياتها الشخص الذي شَعُرت معُهُ أنهُ يُمكِنُها أن تطمئِنَ لُه، كانت تودُ لو أنها تخرُج معَهُ وتملأ الفضاء بغرامياتِهم المُرهفة وتعيش كُل المشاهِد الرومانسية التي حلمت بها، ولكنها في كُل مرة كان يحاوِل مسك يدها كانت تشعُر بمخيط من حديد يمسها، كانت تستعِر من نار تناقُدِها، تُريد أن تعيش الحُب وكُلما أقتربت إزدادت إبتعادًا تحت تأثير واعِزٍ ديني.
لم تطء فكرة الاستقلال عن الأهل عقل أكثر فتايات العائِلة إنفتحاحًا، حتى صديقاتِها ذوات الفساتين التي ترتفِع عن الرُكبة بشبرين، واللاتي يسهرن مع الشباب في الحانات كُن يصِفنها بالجنون والتهور بأنها تُريد ترك المنزل والاستقلال في بيت بمفردها، لم تعرف من أين أتت بهذِهِ الفكرة، ولكن ما أن شَعُرَت بأنها لم تعُد قادرة على مواصلة العيش مع أهلها ولا تُريد الارتباط بأول خاطِب يتقدم لها " لتتمكن من الخلاص مما لا ترغب فيه في منزل أسرتها بغض النظر عن المتاعب التي قد تجنيها من سوء الاختيار" ، بهذِه السهولة خطرت الفكرة على بالِها، لم تكُن تعرِف كيف لمن هن في تربيتِها أن يأتين بمثل هذا التفكير.
لم تعرِف أبدًا سلوكياتِها هي نتاج من ؟! .. هذا الانفتاح الشديد في أفكارها بالرغم من الانغلاق والتديُن اللذين تربّت عليهم وبالرغم من أنهُ قابع داخل عقلها فقط ولا تستطيع اظهاره، حُبها للفن وللأدب وللثقافة، تطلُّعها على كُل ما هو جديد، تقبُّلِها لكُل المُختلِفين عنها، فلديها أصدقاء من بلاد ولُغات وأديات مُختلِفة، حتى من الهندوس والبوذيين، تحترِم أفكار المُلحدين وحقوق المثليين، ليس لديها ما يجعلها تنطوي على ثقافتِها وتتوحد مع نفسها تتقبَّل كُل الأفكار مهما كانت درجة غرابتها، تُلهمها كُل أشكال العلاقات وتتفهمها، ومع ذلك لم تستطع أن تسعد " بالطريقة التي طالما حلُمت بها " مع الشخص الوحيد الذي شَعُرت معُه بالطمأنينة والارتياح بسبب تربيتها.

كلما تذكّرت حِرص أُمها على ألا تُصادِق أي شاب، وعلى مُراجعة ما تُشاهِدُه في التلفزيون " كُلما تواجدت "، إختيارها لصديقاتِها بعناية وتاكُدِها أنهُن ذواتِ أصلٍ طيب وحسنات المنشأ، محاولاتها المُستميتة على أن تكون مُلتزِمة في كُل شيء، أن تُحِب العِلم فقط وتنبُذ كُل ما هو غير ذلِك، إعادة الأحاديث والآيات القُرآنية دومًا على مسامعها، لا تعرف بعدها من أين أتت بكل هذهِ النبؤات الجديدة، من أين تسرب ذلِك الذي صنع الاختلاف إلى مخها، كيف أصبحت لا تستطيع أن تُبدي إعجابًا بشيء وتُشارِكها أمها نفس الاعجاب كيف أصبحت بعيدة هذا البُعد ووحيدة هكذا، لا يُضايقها الاختلاف قدر ما تقتلها الوحدة والتناقُض، كانت نصف قديسة ونصف ظالمة لنفسها، نصف تظُن أنهُ يؤهلها لجنة الخُلد، والنصف الأخر يبدو أنُه سيقودها للجحيم،حاولت أن تتقبل ذاتها هكذا ولكن التناقُض والازدواجية سوف يودوا بعقلها لهوة مُظلِمة،كانت ترى بعين الشيوخ وهم ويشوحون بأيديهم ترهيبًا، وبالعين الأُخرى ترى لوحات العظيم كلود مونيه، تسمع بأُذُن صرخات تعلو المنابر، وبالأذن الأخرى تسمتع للشيخ محمد رفعت وفيروز في صباحياتهِا المُميزة، غُرفتين في قلبِها يُخبِراها " أن الله غفورٌ رحيم " والغُرفتين الأخُرتين يُحدِثاها " أن الله شديدُ العُقاب"  ولأنُ لها لسانًا واحدًا، كانت تتعثر حينما تنطق فلا تنطق أبدًا، كان يُعذبها هذا التقبُّل والتفهُّم لكُل ما لم تتربى عليه ولم تتعلمهُ في صُغرها يومًا، يُعذبها لأن الطبع يغلب التطبُّع ولم يعُد بإمكانِها الاستمرار في الطبع ولا لديها الحُرّية الكافية للتطبُّع كيف أصبحتُ هكذا،
" أنا بنت مين يا دادا ؟!!!!